الأستاذ عبد السلام: كاتب ومدون مغربي
الأستاذ الجديد يدخل عالم التدريس وقلبه ينبض
بدهشة البدايات، بين رائحة الأقسام العتيقة وهمسات ساحة المؤسسة التعليمية عند
الصباح، يقف متسائلاً أمام استعمال الزمن كأنما هو خارطة مغامرة لم تطأها قدمه
بعد، وبين وجوه الإداريين وزملائه التي تحملُ بوادر حكاياتٍ لا تُحصى، وعقول ونفوس
التلاميذ المحمّلة بالأسرار والأماني.
دهشة البداية في المؤسسة التعليمية !
العام الأول للأستاذ تجربة لا تتكرر، تفيض
بالمواقف وتزدحم بالتساؤلات، حيث يخفق القلب لكل حصة جديدة، ويشتد الترقب مع كل
جرس، وتتشكل العلاقات مع إدارة المؤسسة وزملاء المهنة في فضاء مشحون بجدية السنوات
الأولى وشغف التميز، كأن كل يوم امتداد لحلم الطفولة بالنهوض إلى منصة الكبار.
هناك بالمؤسسة الجديدة، يعيش المدرس وهج المفاجأة الأولى
: كل كلمة منه قد تشقّ الطريق لقلوب لا يعرفها، وكل تصرف ينحت صورة لا تزول من ذاكرة
المؤسسة.
إدارة المؤسسة : جسور أم حواجز؟
يقف الأستاذ على أعتاب الإدارة بين أملٍ وطموح،
يرمق مكاتب الإداريين بنظرة متوجسة؛ فيراهم بوجوهٍ يغشاها الجدّ، بعضهم يشرع له
الأبواب بابتسامةٍ تزيل الوحشة، وبعضهم يلقي أمامه بأوراقٍ كأنها طلاسم وشيفرات لا
تُفكّ أسرارها إلا بانتهاء الموسم الدراسي.
تتردد في خفقات قلبه همسةٌ حائرة: "هل أنا
ضيفٌ عابر في هذه المؤسسة، أم شريكٌ أصيل في بنائها؟"
إذ تتباين أمزجة الإدارة وتتعدد مسالك التدبير
أمام عيني الوافد الجديد؛ فهناك إداري يلتفّ برداء الصرامة الإجرائية حتى تكاد
المساطر تخنق روح المبادرة، وهناك من يستقبل زملاءه بوجهٍ طلق يفيض وداً ويسراً،
مدركاً أن حسن الوفادة احتواءٌ قبل أن يكون إجراء.
غير أن التجارب الميدانية تشي بواقعٍ مركب؛ حيث
يظل جسر التواصل داخل الفضاء المدرسي هشاً أو مغيباً في كثير من الأحيان، فتستحيل
المذكرات والتعليمات جداراً صامتاً يعزل الإدارة عن هيئة التدريس، وتغدو العلاقة
مجرد قيدٍ مسطريّ جاف ومحض معاملاتٍ إجرائية صامتة، في حين تقتضي رسالة التربية
بناء بيئة يسودها الحوار التشاركي، والإنصات الصادق، والدعم الإنساني المشترك.
أساتذة وجوه كالأطياف.
ثم يلتفت الأستاذ الجديد إلى زملائه الأساتذة،
فيراهم وجوهاً من كل الأطياف:
منهم من من يرد عليه التحية بمثلها، ومنهم من يرد
عليه التحية بأحسن منها. ومنهم من يبتسم في وجهه كأنه يعرفه منذ زمن بعيد، ومنهم
من يمرّ عليه مرور الغريب كأنه شبح بلا صوت ولا أثر.
تتعدد النصائح، ويكثر الهمس: "خذ حذرك من
التلاميذ"، "البرنامج مرهق"، "الزمن قصير"، "الرحلة
طويلة....".
تغلب الجدية والمنافسة أحيانًا على العلاقات بين
الأساتذة، لكن في لحظات الصفاء، يجتمع الأساتذة في قاعة الاستراحة، حيث يجتمعون
كشعراء في ديوان، يتبادلون القصص والنصائح كأنهم يتبادلون كنوزًا.
الزملاء القدامى،
بوجوههم المرسومة بخطوط الخبرة، يمدون يد المساعدة للجدد، يشاركون في أسرار
التدريس، وتشكل النوايا الطيبة جسرًا للود التعاون. ويخففون من وطأة الدهشة الأولى.
خاتمة : انحسارُ الظلّ وبقاءُ الأثر
ومع انطفاء جرس المساء الأخير، يخلو الممر الطويل
إلا من وقع خطواته المتعبة، فيلتفت الأستاذ الجديد خلفه نحو الحجرات التي أسدلت
ستائرها على صخب النهار.
يدرك حينها أن تلك "الدهشة الأولى" لم
تكن مجرد ارتباك عابر، بل كانت مخاضاً ليقظة وجدانية؛ تتعالى على برودة المكاتب
وجفاف الأوراق، وتتعالى على صمت العابرين وهمس المَحَذِّرين.
يضع يده على مقبض الباب، وقد استقرت في أعماقه حقيقة
لا تذروها الرياح : قد تتشابه جداول الحصص، وقد تتكرر المناهج عاماً بعد عام، وتتعاقب
الوجوه في قاعة الأساتذة كأوراق الخريف...
لكن ما يخطه بصدق في
وجدان تلميذ حائر، وما يزرعه من نور في عتمة عقل يافع، هو الأثر الوحيد الذي لا
تمحوه ممسحة الأيام ولا تنال منه تصاريف الزمن.
الأستاذ عبد السلام: كاتب ومدون مغربي


إرسال تعليق
إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم