شارك الموضوع مع أصدقائك
ذ محمد فحراوي


أن تكون مدرسا، معناه أن تكون طبيبا نفسيا، ومصلحا اجتماعيا ومربيا للأجيال.. المدرس موضع تقدير المجتمع واحترامه وثقته، يوكل إليه أمر إنشاء الأجيال الواعدة وتثقيفهم وتعليمهم الأخلاق الحميدة؛ فهو يمتنع عن كل ما يمكن أن يؤخذ عليه من قول وفعل. يقول الإمام أبو حامد الغزالي : " إن أشرف مهنة وأفضل صناعة يستطيع الإنسان أن يتخذها حرفة له هي التعليم" ، ويؤكد على أهمية الاشتغال بالتعليم، ويعلي مِن قدر أصحابها ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم، وفي ذلك يقول : "فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماوات، فإنه كالشمس تضيء لغيرها، ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما فليحفظ آدابه".
إن اعتزاز المعلم بمهنته وتصوره المستمر لرسالته، ينأيان به، مما لاشك فيه، عن مواطن الشبهات، ويدعوانه إلى الحرص على نقاء السيرة وطهارة السريرة حفاظاً على شرف المهنة ودفاعاً عنها .
إن سمة حرفة التعليم: الوقار، فإن فقد المعلم وقاره فقد هيبته، وإذا فقد هيبته فقد نفسه وثقته. لذلك وجدتني مندهشا حول ما اقترفه أستاذ، هذه الأيام،وهو يعنف زميلين له يعملان معه، في حق مهنة الأنبياء والنبلاء، وهو يخدش تلك الصورة الرائعة التي كانت عالقة بذهني منذ أن سمعتها بل قرأتها من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي، وأنا ما زلت أجلس أمام معلمي،حيث قال منزلا المعلم منزلة الأنبياء:
قمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا ** كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي ** يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى إنه صاحب القدوة في أمور الخير، ضابط لسلوكه وتصرفاته... إنه صاحب القدوة في الصبر لا يعرف العنف طريقا إلى نفسه.
يقدم لنا الدكتور أحمد أوزي في دراسته القيمة حول موضوع العنف من خلال كتابه: "سيكلوجية العنف: عنف المؤسسة ومأسسة العنف"، مقاربة علمية لظاهرة العنف التي ما فتئت لا تخطئها العين، حيث خلص إلى نتيجة مفادها أن أهم سبب في انتشار العنف هو التطبيع والتسامح معه ليصبح ممأسسا، وظاهرة عادية، فكيف وهو يصدر عن الذي كان بالأمس القريب يصنع الأدوات الضرورية لمحاربة العنف، من خلال بنائه للقيم الإيجابية، وتهذيب النفوس بالأخلاق الكريمة.
بعيدا عن كل لوم وعن كل حسرة عن الزمن الجميل، أرى أن اجتثاث مثل هذه السلوكيات المشينة التي ما فتئت تخدش صورة مهنة الأنبياء والنبلاء، بات أمرا لا مندوحة عنه، طالما ما زالت في مهدها كظاهرة، ولو كلف الأمر تأديب كل من سولت له نفسه إيذاء صورة محراب مهنة الأنبياء، والذي طالما كان محراب تربية وأخلاق قبل أن يكون منبر تعليم وتعلم، رهاننا اليوم، كرجال ونساء التربية والتعليم، أن نقوم بواجبنا تجاه مهنة الأنبياء والنبلاء بحمايتها والذود عنها.
إذن علينا أن نعي بكون المنظومة التربوية تعرف اليوم أعطابا كثيرة، وهذه أخطرها. علينا بالاعتراف بظاهرة العنف كخطأ ساهمنا في إنشائه. فليس هناك خطر أكبر من عدم الاعتراف بالخطأ. وقد سئل حكيم: بم ينتقم الإنسان من عدوه، فقال بإصلاح نفسه، وهو ما يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا بأنفسهم .." الآية: 11 من سورة الرعد. كفانا خدشا لصورة مهنة الأنبياء والنبلاء.
ذ محمد فحراوي
مفتش تربوي بمديرية قلعة السراغنة
  
مشاركة

ليست هناك تعليقات

إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم

جميع الحقوق محفوظة لــ تربية ماروك تجمع الأساتذة 2018 ©
-