شارك الموضوع مع أصدقائك



بقلم الدكتور إدريس لكريني

التعليم عن بعد لم يعد ترفاً أو إجراء تكميلياً تمليه فترات الأزمات، بقدر ما أصبح أحد المداخل المستدامة التي تحقق الجودة
عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية، عن تحوّل فيروس كورونا إلى جائحة، تباينت المقاربات المتّخذة من قبل الدول لمحاصرة الجائحة، التي شكّلت محطّة قاسية لاختبار مدى جاهزية الدول، ومدى قدرتها على التعاطي بصورة ناجعة وعقلانية مع المخاطر المستحدثة والعابرة للحدود، حيث كشفت الكثير من الأوهام التي طالما روّجتها العديد من الدول بخصوص قدرتها على مواجهة الكوارث والأزمات.
دفع هول الجائحة إلى اعتماد تدابير غير معهودة وغير مسبوقة لم يتم إقرارها حتى في زمن الحروب، بدت معها التجارة الدولية مشلولة، بعد التوجّه نحو إغلاق الحدود، ووقف الرحلات الجوية وفرض الحجر الصحي، ما شكل ضغطاً حقيقياً على صانعي القرار فيما يتعلق بتدبير الأزمة الصحية الأساسية، وكذا مختلف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية المتفرّعة عنها..
كشفت الجائحة أهمية ترسيخ ثقافة تدبير المخاطر والأزمات، سواء داخل المجتمع، أو في أوساط صانعي القرار على المستويين الدولي والوطني، بما يسهم في تجاوز حالتي الانبهار والصدمة اللتين تخلّفهما الأزمات، والتعاطي معها ومع تبعاتها بقدر من العقلانية وعدم الارتجال.
رغم قساوتها، وثقل انعكاساتها السلبية، فقد شكّلت الجائحة فرصة للوقوف على مجموعة من الاختلالات، على طريق بلورة تدبير استراتيجي يستحضر التحديات والمخاطر المحتملة، وهكذا برزت أهمية الاستثمار في البحث العلمي، والبنى التحتية الصحية، وتطوير الكفاءات البشرية في هذا الخصوص، كما تبيّن أيضاً أهمية المراهنة على تعليم متطور ومنفتح على التكنولوجيا الحديثة..
إن تدبير الأزمات والمخاطر هي عملية لها قواعدها ومقوماتها، تقتضي التسلح بالعلم والمعلومات الدقيقة، ومرتكزات التدبير الاستراتيجي الذي يستحضر المستقبل، وتجنيد كل الإمكانات والطاقات البشرية المتوافرة، مع إرساء تواصل بنّاء بين مختلف المتدخلين، ومع الجمهور المعني بالأزمة وتبعاتها..
رغم الصرامة التي اعتمدتها الكثير من الدول على مستوى التعاطي مع الجائحة، والتدابير المتدرجة التي اتخذتها على مستويات عدة ، والتي ساهمت إلى حدّ كبير في التحكم في الوضع الوبائي، ومنع خروجه عن نطاق التحكم والسيطرة، برزت بالموازاة مع التداعيات الصحية والنفسية للأزمة، إشكالات اجتماعية واقتصادية وتربوية لا تخلو بدورها من خطورة، تفرض استخلاص العبر، من حيث بناء اقتصاد حديث ومتطوّر، وتعزيز البنى التحتية المتعلقة بالمجال الصحي، وإحداث مراصد لتدبير الأزمات والكوارث، وتبنّي خطط إدارية تقوم على توظيف التكنولوجيا الحديثة..
كشفت الجائحة عن مجموعة من الإشكالات التي تحيط بمنظومة التعليم، عندما اضطرت الدول إلى إغلاق المؤسسات التعليمية، في سياق الانضباط لمتطلبات الحجر الصحّي والتباعد الاجتماعي، ولم تنجح الكثير منها في كسب رهان استمرار العملية التعليمية بشكل ناجع، بحكم اعتمادها على سبل تقليدية في غالبيتها، ضمن هذا السياق.
تتيح التكنولوجيا الحديثة فرصاً حقيقية لتطوير المنظومة التعليمية منهجاً ومضموناً ومخرجات، وهو ما تؤكده الكثير من التجارب الدولية، فالتعليم عن بعد لم يعد ترفاً أو إجراء تكميلياً تمليه فترات الأزمات، والظروف المرحلية الطارئة، بقدر ما أصبح أحد المداخل المستدامة التي تحقق الجودة، في إطار من الحكامة والنجاعة، وسبيلاً للتغلب على عدد من الإشكالات والصعوبات، التي يطرحها ضعف الإمكانات، وهشاشة البنى التحتية، ووجود نقص في الطواقم التربوية والإدارية..
أتاحت التكنولوجيا الحديثة إمكانات وفرصاً واسعة أمام قطاع التعليم عن بعد داخل عدد من المؤسسات التعليمية، وفي مناطق مختلفة من العالم، وهي العمليّة التي استفاد منها الملايين من الطلاب عبر توظيف برامج وتقنيات متطورة، بشكل يتجاوز المكان والزمان.. ما مكّن من نقل المعارف والعلوم إلى مناطق نائية.
يتأسّس التعليم عن بعد على مجموعة من العناصر يمكن إجمالها في الحاسوب، والربط بالإنترنت، والبرامج التعليمية، إضافة إلى الأستاذ والمتلقّي.. وتظلّ نجاعة هذه التقنية رهينة بإرساء تدريب منتظم للمؤطّر والمستفيد، بصورة تواكب التكنولوجيا المتطوّرة باستمرار، وعلى تصميم وتطوير وتوظيف البرامج المرتبطة بهذا الخصوص، وتوفير الرّبط بالإنترنت، وسن تشريعات تدعم انتشاره، مع إجراء تقييم مستمر للجهود وللنتائج المحصّلة..
تبرز التجارب الدولية أهمية التعليم عن بعد، فهو أسلوب يدعم تطوير قدرات الشباب لمواكبة تطورات سوق الشغل، كما أنه يسمح بتطوير الإمكانات المعرفية، والاستفادة من مستجداتها عبر الحدود.
لا يمكن النظر للتعليم عن بعد كحل سحري كفيل بالقضاء على مختلف الاختلالات التي تعتري قطاع التعليم، لكن الانفتاح على الفرص التي يتيحها، سيسمح حتماً بترسيخ مجتمع المعرفة، والاستفادة من مختلف الكفاءات والخبرات خارج الحدود في هذا الخصوص، والانفتاح على تجارب تعليمية دولية أكثر تطوراً، علاوة على تحويل المضامين العلمية والتربوية إلى مواد إلكترونية تنسجم وتوجّهات الشباب، وتقديم برامج تستجيب لحاجات بعض الفئات داخل المجتمع، كما هو الشأن بالنسبة لفاقدي البصر.. والتخفيف من حدّة بعض المعضلات التي تواجه المنظومة، في ارتباطها بالاكتظاظ، ونقص أو غياب البنى الأساسية، وارتفاع نسب الهدر المدرسي والجامعي.
تظلّ المراهنة على التعليم عن بعد، رابحة بكل المعايير والمقاييس بالنظر إلى كلفته المعقولة، ونجاعته التي تؤكدها الكثير من التجارب الدولية الرائدة، غير أن كسب هذا الرهان يصطدم ببعض العقليات التقليدية التي تشكّك في مصداقيته، وبنقص واضح على مستوى التجهيزات، والبنى التحتية والبرامج التكوينية اللازمة في هذا الخصوص
بقلم الدكتور إدريس لكريني

مشاركة

هناك تعليق واحد

  1. بكل صراحة كنت احترم دكتورتك فيك والآن أصبحت في حكم النقصان. عن أي تعليم عن بعد تتكلم. أين هو مبدأ تكافؤ الفرص. أين هو الدعم المالي للتلميذ لربط الانترنت وشراء المعدات الإلكترونية المصاحبة للتعليم عن بعد. صراحة زمن كثر فيه المطبلين بدون علم فقط بقلم هم يكتبون وينظرون والواقع مخالف تماما لما يتغنون به. حسبي الله ونعم الوكيل.

    ردحذف

إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم

جميع الحقوق محفوظة لــ تربية ماروك تجمع الأساتذة 2018 ©
-