جهة العيون الساقية الحمراء تحتضن المنتدى الجهوي للإصلاح التربوي لترسيخ مكتسبات خارطة الطريق 2022-2026

 


في غمرة الحراك التربوي الذي تشهده المملكة، وتحت شعار دال: "جميعاً من أجل تعبئة شاملة لإصلاح تربوي مستدام"، شهد مقر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة العيون انطلاق فعاليات المنتدى الجهوي للإصلاح التربوي. ويأتي تنظيم هذا الحدث التربوي البارز في سياق زمني يتسم بالدقة، حيث يوافق السنة الأخيرة من تنزيل خارطة طريق إصلاح المدرسة العمومية 2022-2026. إن هذا المنتدى ليس مجرد لقاء عابر، بل هو محطة تقييمية جهوية تهدف إلى الوقوف على حصيلة عقد من الإصلاحات، وتفعيل التوجهات الاستراتيجية للرؤية الاستراتيجية 2015-2030 ومقتضيات القانون الإطار 51.17. كما يعكس هذا اللقاء التزام الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بنهج المقاربة التشاركية عبر إشراك كافة الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين لبلورة تصور مشترك لمستقبل المنظومة التعليمية بالجهة لما بعد سنة 2026.

زخم المشاركة وتعدد الأطياف التربوية

تميز المنتدى بتعبئة جماعية لافتة، حيث عرف حضور أزيد من 150 مشاركاً ومشاركة. وقد تشكلت خارطة الحضور من نسيج متنوع يضمن تكامل الرؤى؛ فإلى جانب ممثلي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، سجل المديرون الإقليميون ومدير المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين حضوراً وازناً. كما أثث اللقاء نخبة من الفاعلين الميدانيين من أساتذة ممارسين، وأطر الإدارة التربوية، وهيئات التفتيش والتوجيه والدعم. ولم يقتصر الحضور على الجانب الإداري والتربوي، بل امتد ليشمل الشركاء الاجتماعيين من نقابات تعليمية، وممثلي جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، بالإضافة إلى رؤساء اللجان بالمجلس الإداري للأكاديمية. هذا التنوع يجسد الهدف العام للمنتدى في فتح فضاء جهوي خصب للنقاش الجماعي والتفكير المشترك.

الكلمة الوزارية والرهانات المستقبلية

خلال الجلسة الافتتاحية، تم إلقاء كلمة السيد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة نيابة عنه من طرف ممثل الوزارة، وهي الكلمة التي رسمت معالم الطريق للمرحلة القادمة. فقد ركزت المداخلة على أن الرهان الحقيقي للإصلاح يكمن في "تحدي التنفيذ"، أي تحويل الاستراتيجيات الكبرى إلى ممارسات فعلية وملموسة داخل الفصول الدراسية. كما أكدت الكلمة على الدور المحوري للمدرس باعتباره صانع الأثر والفاعل الأساسي في العملية التعليمية. وشددت الرؤية الوزارية على أن الغاية الأسمى هي جعل المدرسة العمومية فضاءً للتميز وبناء الأمل، مع ضرورة استثمار الرقمنة والرأسمال البشري لضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص في ظل إطار "الجهوية" الذي يسمح بتجريب الابتكارات ومأسستها.



حصيلة المنجزات التربوية بالأرقام والمؤشرات

قدم السيد مدير الأكاديمية عرضاً مستفيضاً استعرض فيه حصيلة واعدة تترجم مجهودات التنزيل الميداني لخارطة الطريق بالجهة. ومن أبرز ما جاء في العرض:

التعليم الأولي: تحقيق طفرة نوعية بوصول نسبة التمدرس الإجمالي إلى %90، مع تعزيز العرض بالقطاع العمومي.

مؤسسات الريادة: نجاح الجهة في تعميم هذا النموذج على 70 مدرسة ابتدائية بنسبة تغطية بلغت %77.77، و24 إعدادية بنسبة %64.86.

تجويد التعلمات: تسجيل تحسن ملموس في نسب نجاح تلاميذ السلك الثانوي التأهيلي بأكثر من 7 نقط، مع ارتفاع نسب التحكم في التعلمات الأساس بفضل مقاربة "TaRL".

محاربة الاكتظاظ: تقليص نسب الاكتظاظ في السلك الابتدائي من %7.07 إلى %2.45، وهو مؤشر قوي على تحسن ظروف التحصيل.

الهدر المدرسي: العمل وفق أهداف استراتيجية لتقليص ظاهرة الهدر بنسبة الثلث في أفق سنة 2026.



التدبير البيداغوجي وأثر الريادة

توقف المنتدى عند المداخلة القيمة للمكلف بمهام تنسيق التفتيش الجهوي، والتي تناولت "الالتزام" كقاعدة أساسية للتحول واستدامة الإصلاح. وقد تم استعراض كبسولات مصورة من مختلف المديريات الإقليمية تبرز "أثر الريادة" على التلميذ والأستاذ والمؤسسة. هذا الأثر لم يكن نظرياً بل تجسد في تحسن مهارات القراءة والحساب، وزيادة فاعلية الأنشطة الموازية. كما أتاح معرض الممارسات الجيدة المشار إليه في الورقة التأطيرية فرصة للاطلاع على مبادرات مبتكرة مثل مسابقة "تحدي القراءة العربي" و"جائزة أستاذ السنة"، والتي تهدف جميعها إلى تثمين أداء المؤسسات والارتقاء بجودة التعلمات.

الورشات الموضوعاتية - من التشخيص إلى الحلول

شكلت الورشات الست العمود الفقري للمنتدى، حيث انكبت على تفكيك الإشكالات العميقة وصياغة التوصيات:

التعليم الأولي: بحثت الورشة الأولى سبل معالجة تفاوت جودة العرض بين المجالين الحضري والقروي، مع التركيز على تأهيل المربين لضمان نجاح مدرسي مستدام.

مؤسسات الريادة: ركز المشاركون في الورشة الثانية على كيفية تجاوز تحديات ضغط الزمن المدرسي واستدامة نموذج الريادة من خلال مأسسة عمل التفتيش والمواكبة.

محاربة الهدر المدرسي: تناولت الورشة الثالثة عوامل الانقطاع الدراسي، مقترحةً تطوير آليات الرصد الاستباقي وتفعيل خلايا اليقظة لضمان الحق في التعليم الإلزامي.

البيئة المدرسية: ناقشت الورشة الرابعة معايير الأمن الإنساني وصيانة التجهيزات، مع التأكيد على أهمية الشراكات في مجالات الحراسة والنظافة والبستنة.

الحكامة الإدارية: ركزت الورشة الخامسة على الانتقال نحو "التدبير بالنتائج" وسبيل الحصول على "شارة الريادة" عبر آليات التدقيق الداخلي وافتحاص الجودة.

الارتقاء المهني: اختتمت الورشة السادسة النقاش ببحث الفجوة بين التكوين النظري والممارسة الميدانية، داعيةً إلى إرساء ورشات التقاسم لترصيد الممارسات الفضلى.

الخلاصات والتطلعات المستقبلية

في ختام هذا العرس التربوي، أجمع المشاركون على أن المرحلة القادمة تتطلب استمرارية التعبئة واليقظة. ومن المنتظر أن يتوج هذا المنتدى بتقرير تركيبي شامل يتضمن توصيات عملية وخارطة طريق جهوية لتجويد الأداء التربوي. لقد أكد المنتدى أن الإصلاح ليس مجرد نصوص تشريعية، بل هو ورش مفتوح يتطلب تضافر جهود الجميع (أسرة، مدرسة، مجتمع مدني، وجماعات ترابية) لضمان بيئة تعليمية آمنة، محفزة، وقادرة على تكوين أجيال الغد وفق معايير الجودة والإنصاف. إن جهة العيون الساقية الحمراء، من خلال هذا المنتدى، تضع لبنة أساسية في صرح "مدرسة الجودة" وتؤكد ريادتها في تنزيل أوراش الإصلاح الوطني.

Post a Comment

إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم

أحدث أقدم