شارك الموضوع مع أصدقائك
الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

 


بقلم ذ : المحجوب سكراني

بعد ما يناهز ستة أشهر من الاغلاق ، هاهي المؤسسات التعليمية بمختلف اسلاكها تفتح أبوابها من جديد لتحتضن أبناءها الذين غيبتهم الظروف الاستثنائية فجأة ودون سابق إنذار...إذن هو دخول مدرسي استثنائي بكل المقاييس ،نظرا للاجراءات الاحترازية المفروضة ، والمقننة بترسانة من البلاغات والمذكرات الوزارية والأكاديمية ...والتي تتغيى في مجملها حرصها الأكيد والمسؤول على التطبيق السليم للتوجيهات والمقتضيات والمعايير التربوية والصحية المتعلقة بتنظيم الموسم الدراسي ، وفق بروتوكول صحي صارم بما يكفل تحقيق الأهداف التربوية المحددة، وضمان صحة وسلامة مختلف مرتادي المؤسسات التعليمية من متعلمات ومتعلمين وأطر تربوية وإدارية. ولتجسيد هذه القرارات على أرض الواقع ، تهافت المسؤولون بحماس منقطع النظير على التطبيق والتنفيذ الحرفي لتلك الاملاءات ، بدءا بتقليص عدد المتعلمين في الفصل الواحد الى النصف ، وتزيين الجدران بملصقات تشويرية ، وتوفير وسائل النظافة والتعقيم ...وكلها اجراءات تستحق التنويه ... غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو : لماذا غيب المسؤولون الصحة النفسية للمتعلم الذي سيلج قسمه بمعنويات منحطة ؟   

...وأنا أستقبل أفواج الملتحقين الراغبين في التعلم الحضوري ، ومن خلال دردشتي معهم ، تفاجأت بعدم رغبة الأغلبية في الحديث . ولمست في ملامحهم علامة الخوف والشرود وفقدان الثقة ... بريئة بمفردها عبرت عما يخالجها ، وبنبرة ملؤها الأسى ...(أكره فيروس كورونا، لأنه أغلق في وجهي باب المدرسة، وجعل الناس خائفين ومذعورين)...، ملخصة بذلك معرفتها عن هذا الفيروس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس...و قد لا تدرك هذه الطفلة، وكثيرون من أمثالها ، كافة التفاصيل المتعلقة بكورونا، لكنهم يرون أمامهم عالماً مذعوراً، الناس فيه "محبوسون في البيوت، لا يستطيعون زيارة أو استقبال أحد"....أدركت حينئذ أن الفيروس والإجراءات المتعلقة به ، وإن شكل ضغوطاً كبيرة، اقتصادية واجتماعية ونفسية، على عالم الكبار، فان الأطفال هم الحلقة الأضعف نفسياً للتعامل مع هذا الوضع الجديد الذي تغير فيه كل شيء أو كاد، خاصة مع تناسل الاشاعات الترهيبية ، والاخبار غير الموثوقة ، في مقابل غياب طرف مكلف ببث الطمأنينة في نفوسهم الصغيرة... يقول " الدكتور إديث براتشو سانشيز" وهو أستاذ طب الأطفال بجامعة كولومبيا خلال لقاء مع شبكة «سي إن إن »:"...إن أهم المشكلات النفسية التي تسبب فيها الفيروس للأطفال هي القلق والاكتئاب وعدم القدرة على التركيز، ملفتا أن خطورة الأمر تتمثل في عدم قدرة كثير منهم على التعبير عن مشاعرهم، مشيراً إلى أن ذلك قد تنتج عنه عواقب مدمرة لصحَّتهم العقلية والنفسية تستمر لسنوات. وأضاف قائلا: «أخبرني آباء عدد من الأطفال أنه منذ الإغلاق الناتج عن (فيروس كورونا)، أصبح أبناؤهم يركضون للاختباء في إحدى الغرف فور سماعهم لصوت جرس الباب، حيث أصبحوا أكثر جبناً وخوفاً من الآخرين»...". وأكد إكذلك أن جميع الأطفال تأثروا بلا شك بهذا الوباء، الأمر الذي يتطلب من الآباء مساعدتهم على تخطي هذه المرحلة ومراقبتهم بشكل جيد لعرضهم على طبيب نفسي إذا لزم الأمر...تصريح الطبيب ماهو الا غيض من فيض ، بحيث حدا حدوه العشرات أمثاله ، فحذروا ونبهوا واستغاثوا بمن يهمه الأمر من  آباء وأمهات ومدرسين وأخصائيين اجتماعيين وأطباء نفسيين وسياسيين...لأن قدرة الأطفال على التأقلم مع عالم ما بعد جائحة كورونا وتغلبهم على تبعاتها، ستتطلب تظافر جهود هؤلاء جميعهم . 

إن التركيز على الشق المعرفي وشحن الأذهان بالمعلومات لن يجدي شيئا حين ينفصل عن الشق النفسي والعاطفي ، وهذا هو الخطأ الذي وقع المسؤولون ضحيته إبان فترة التعلم عن بعد ، فجل  المنصات والقنوات التعليمية تكتفي بنقل دروس مصورة ، وتقديمها جاهزة دون اكتراث بوضعية المتلقي ماديا ونفسيا.وقد آن الأوان لتدارك الهفوات أملا في التقليل من الآثار السلبية للجائحة ، ولن يتاتى ذلك الا بالتقيد بما يلي :  

*إ حداث خلايا لليقظة ومراكز للإنصات والدعم السوسيو اقتصادي على مستوى المؤسسات التعليمية ، فضلا عن مراكز متخصصة للدعم النفسي، وتفعيل مراكز الإنصات والوساطة. 

* تزويد المتعلمين بمعلومات مبسطة وسهلة الفهم حول الوباء، دون بث الخوف في نفوسهم.  

* توفير معلومات مبسطة لهم، كل حسب فئته العمرية، للتقليل من التأثيرات السلبية الخاصة بالحجر الصحي عليهم. 

* شرح الوضع دون خلق الخوف في نفوسهم. ودون الاعتقاد بكونهم لا يفهمونها، فهم يمتلكون قدرات خارقة على فهمنا بشكل جيد. 

* تقديم المعلومات المتعلقة بفيروس كورونا بشكل واضح ودون إثارة الخوف في نفوسهم

* توظيف العديد من الوسائل المرئية والمطبوعة التي يمكن الاعتماد عليها من أجل تقديم المعلومات اللازمة حول فيروس كورونا للأطفال

* الايمان بأن لكل طفل الحق في معرفة وتعلم خصائص الفيروس وطريقة انتشاره والخطوات الوقائية الواجب التقيد بها خلال فترة تفشي الوباء. 

* الإجابة عن أسئلتهم وتزويدهم بالمعلومات اللازمة عن الفيروس بطرق مختلفة وبحسب فئاتهم العمرية وبقدر ما يحتاجون إليه

* أن تكون المعلومات المقدمة لهم كافية وفق حاجتهم وموجزة ومحددة ومفهومة، كأن نقول له " إن الفيروس هو عبارة عن مرض، لا يمكن أن يضر بنا طالما أننا متقيدون بالاجراءات الوقائية ". 

وختاما لا يسعنا الا أن نـثمّـن الجهود المبذولة من جميع الأطراف على كافة المستويات، خاصة نساء ورجال التربية والتكوين باختلاف مواقعهم ، على المجهودات الكبيرة المعهودة فيهم دائما والتي أكدوها وسيؤكدونها لاحقا على شكل تضحيات مشرفة قد تهون بفضلها كل الرهانات والتحديات الاستثنائية وغير المسبوقة التي واجهت منظومتنا في سياق الوضعية التي عاشها بلدنا كباقي بلدان العالم نتيجة هذه الجائحة. 

ذ : المحجوب سكراني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم

جميع الحقوق محفوظة لــ تربية ماروك تجمع الأساتذة 2018 ©
-