يُعدّ التعليم الأولي مكونًا أساسيًا في النمو
الشامل للطفل، لما له من دور محوري في تنمية قدراته الجسدية والحركية، والمعرفية،
واللغوية، والاجتماعية، والوجدانية. ويشكّل الاستفادة من تعليم أولي ذي جودة مرحلة
حاسمة خلال الطفولة المبكرة، بما يضمن انطلاقة سليمة في المسار الدراسي، ويعزّز
فرص النجاح المدرسي والاندماج الاجتماعي على المدى البعيد.
واعتبارًا لما يكتسيه تطوير الطفولة المبكرة من
رهانات وآثار اجتماعية واقتصادية بالغة الأهمية، وفي ظل اقتراب موعد استحقاق تحقيق
أهداف التنمية المستدامة، بات لزامًا على الدول مضاعفة جهودها من أجل بلورة وتنفيذ
سياسات عمومية كفيلة بإرساء بيئات داعمة للنمو السليم للطفولة المبكرة، وضمان
تعليم أولي منصف وذي جودة.
وفي هذا السياق، شكّلت الندوة الدولية حول موضوع
“التعليم الأولي: السياسات، الممارسات واستراتيجيات التنمية“، التي نظمتها الهيئة
الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بشراكة مع
منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، يومي 10 و11 فبراير 2026، محطة علمية
بارزة لدعم هذا التوجه وتعميق النقاش بشأنه.
وتهدف هذه الندوة، التي انعقدت بمقر المجلس،
بالرباط، إلى إتاحة فضاء للتفكير الجماعي وتبادل الخبرات حول القضايا المرتبطة
بتطوير التعليم الأولي، من منظور مقارن ودولي، بمشاركة خبراء وباحثين وطنيين
ودوليين، وصنّاع قرار، وفاعلين ميدانيين، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في سياق وطني يتّسم بتعاظم
مكانة التعليم الأولي باعتباره أولوية استراتيجية بالمغرب. فقد أكدت مختلف
المرجعيات المؤطرة لإصلاح المنظومة التربوية، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين،
إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، مرورًا بالقانون الإطار رقم 51.17،
والبرنامج الوطني لتعميم التعليم الأولي 2018-2028، الالتزام الراسخ للدولة بضمان
ولوج جميع الأطفال إلى تعليم أولي ذي جودة، على أساس الإنصاف وتكافؤ الفرص. غير أن
هذا الورش الوطني يطرح في المقابل تحديات كبرى، لاسيما ما يتعلق بجودة البيئات
التربوية، وتأهيل الأطر التربوية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، أنجزت الهيئة الوطنية للتقييم،
بشراكة مع اليونيسيف، سنة 2024، تقييمًا وطنيًا للتعليم الأولي، بالاعتماد على أدوات
معترف بها دوليًا وملائمة مع السياق المغربي. وتشكل نتائج هذا التقييم مرجعًا
أساسيًا لتغذية النقاش العمومي، ووضع التجربة الوطنية في منظور مقارن مع تجارب
دولية أخرى.
وتمحورت أشغال الندوة حول محاضرة افتتاحية تسلّط
الضوء على إسهامات علوم النمو، وعلوم الأعصاب، وعلوم التعلّم في إعادة التفكير في
الممارسات التربوية منذ الطفولة المبكرة، إلى جانب عدد من الجلسات العامة التي تناولت
الأطر الدولية لتقييم التعليم الأولي، ونماذج التمويل والحكامة، وأبعاد الإنصاف،
وتأهيل الأطر التربوية، فضلاً عن استمرارية التعلمات والانتقال البيداغوجي بين
التعليم الأولي والمرحلة الابتدائية.
وتندرج هذه الندوة أيضًا في إطار الشراكة
الاستراتيجية التي تجمع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من خلال
الهيئة الوطنية للتقييم، ومنظمة اليونيسيف، كما تشكل مساهمة عملية في الجهود الرامية
إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الرابع المتعلق بضمان تعليم
جيد، شامل ومنصف للجميع.
ومن خلال تشجيع تقاطع وجهات النظر، وتقاسم
المعارف، وتحليل الممارسات، تطمح هذه الندوة إلى الإسهام في تحسين السياسات
العمومية في مجال التعليم الأولي، وتعزيز مكانته كمرحلة تربوية استراتيجية في خدمة
النمو المتكامل للطفل، وترسيخ مبادئ الإنصاف داخل المنظومة التربوية المغربية.
.png)

إرسال تعليق
إضافة تعليق على الموضوع مع عدم تضمنه لعبارات مسيئة
شكرا على مشاركتكم